الشيخ محمد هادي معرفة

181

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

والنظرات الجاهرة ، واللفتات الموقظة . . . « 1 » كلّ ذلك لممّا يدلّ بوضوح على ضرورة إعادة النظر في تلك النظريّات التي كذّبها الواقع المشهود . « 2 » إنّ الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي ، لأنّ اللّه قد ناط به امتداد الحياة في هذه الأرض ، وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها . فهو ميلٌ دائمٌ يسكن فترة ثمّ يعود . وإثارته في كلّ حين تزيد من عرامته ، وتدفع به إلى الإفضاء المادّي للحصول على الراحة . فإذا لم يتمّ هذا انهارت الأعصاب المستثارة ، وكان هذا بمثابة عملية تعذيب مستمرّة ! . . . والنظرة تثير ! والحركة تثير ! والضحكة تثير ! والدعابة تثير ! والنبرة المعبّرة عن هذا الميل تثير ! . . . والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات ، بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية ، ثم يلبي تلبية طبيعية . وهذا هو المنهج الذي يختاره الإسلام ، مع تهذيب الطبع ، وشغل الطاقة البشرية بهموم أُخرى في الحياة ، غيرتلبية دافع اللحم والدم ، فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد . وفي القرآن إشارة إلى نماذج من تقليل فُرَص الاستثارة والغواية والفتنة من الجانبين الرجل والمرأة : قال تعالى : « قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ » . « 3 » قال سيّد قطب : وغضّ البصر من جانب الرجال أدب نفسي ، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطّلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام . كما أنّ فيه إغلاقا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية ، ومحاولة عمليّة للحيلولة دون وصول السهم المسموم ! قال الإمام جعفر بن‌محمد الصادق عليه السلام : « النظرة سهم من سهام إبليس مسموم ، وكم من نظرةٍ أورثت حسرة طويلة » . قال : « من تركها للّه عزّوجلّ لا لغيره أعقبه اللّه أمنا وإيمانا

--> ( 1 ) - راجع كتابه « أمريكا التي رأيت » وفيه التفصيل وعرض الحوادث والشواهد . وراجع أيضا كتاب « الإنسان بين المادّية والإسلام » لمحمّد قطب ، فصل « المشكلة - الجنسية » فقد توسّع في هذا المجال . ( 2 ) - راجع : في ظلال القرآن ، تفسير سورة النور ، ج 18 ، ص 93 ، المجلّد السادس . ( 3 ) - النور 30 : 24 .